النويري

244

نهاية الأرب في فنون الأدب

وممن اشتهر بالفصاحة والبلاغة زياد بن أبيه ، والحجّاج بن يوسف الثّقفى ، وسنذكر نبذة من كلامهما في التاريخ عند ذكرنا لأخبارهما لمّا ولى كلّ منهما العراق ، وما خطب الناس به ، ولنذكر في هذا الموضع من كلام الحجّاج ما لم نورده هناك قيل : لما قدم الحجّاج البصرة خطب فقال : أيها الناس ، من أعياه داؤه ، فعندي دواؤه ؛ ومن استطال أجله ، فعلىّ أن أعجّله ، ومن ثقل عليه رأسه وضعت عنه ثقله ؛ ومن استطال ماضي عمره قصّرت عليه باقيه ؛ إن للشّيطان طيفا . وللسّلطان سيفا ؛ فمن سقمت سريرته ، صحّت عقوبته ؛ ومن وضعه ذنبه . رفعه صلبه ، ومن لم تسعه العافية ، لم تضق عنه الهلكة ؛ ومن سبقته بادرة فمه ، سبق بدنه بسفك دمه ؛ إني أنذر ثم [ لا ] أنظر ، وأحذّر ثم لا أعذر ، وأتوعّد ثم لا أعفو ، إنما أفسدكم ترنيق « 1 » ولاتكم ، ومن استرخى لببه « 2 » ساء أدبه ، إنّ الحزم والعزم سلبانى سوطى ، وأبدلانى [ به ] سيفي ، فقائمه في يدي ، ونجاده في عنقي ، وذبابه قلادة لمن عصاني ، واللَّه لا آمر أحدكم أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيحرج من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه . قال مالك بن دينار : ربّما سمعت الحجّاج يذكر ما صنع فيه أهل العراق وما صنع بهم ، فيقع في نفسي أنهم يظلمونه لبيانه وحسن تخليصه للحجج .

--> « 1 » الترنيق : الضعف في الأمر . « 2 » اللبب : ما يشد على صدر الدابة أو الناقة ، يكون للرحل والسرج يمنعهما من الاستئخار ، يريد أن الهوادة واللين إفساد لأدب الرعية .